الجزء الأول: هل الأمراض واحدة في كل العالم؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن المرض واحد أينما ذهبنا، فالإنسان هو الإنسان، والقلب هو القلب، والدماغ هو الدماغ، والأمراض التي تصيب شخصًا في بلد يمكن أن تصيب شخصًا في بلد آخر.
لكن تخيل شخصًا انتقل للعيش من بلد إلى آخر، وبعد سنوات بدأ يلاحظ شيئًا لافتًا؛ فالأشخاص من حوله يعانون من السكري وارتفاع ضغط الدم والسمنة بدرجات أكبر مما اعتاد عليه في بلده الأول. فيتساءل: هل الأمراض تختلف فعلًا من بلد إلى آخر؟ وإذا انتقل الإنسان من مجتمع ترتفع فيه هذه الأمراض إلى مجتمع تقل فيه، فهل تنخفض احتمالية إصابته بها؟
الإجابة ليست بسيطة. فانتقال الإنسان من مكان إلى آخر لا يغيّر جيناته أو تاريخه العائلي أو عمره، لكن البيئة الجديدة قد تغيّر كثيرًا من العوامل المؤثرة في صحته؛ مثل نوع الغذاء، والنشاط البدني، والوزن، والتدخين، وطبيعة العمل والظروف البيئية. ومع مرور الوقت قد يرتفع خطر بعض الأمراض أو ينخفض بحسب هذه العوامل.
وهنا تبدأ فكرة خريطة المرض في العالم.
المرض موجود في كل مكان… ولكن بنسب مختلفة
الأمراض المزمنة، مثل السكري وارتفاع ضغط الدم والسمنة، موجودة في معظم المجتمعات، لكنها لا تظهر بالمعدل نفسه في كل مكان.
فالسكري، مثلًا، أصبح مشكلة صحية عالمية، لكن معدلات انتشاره تختلف بين المناطق والمجتمعات. وكذلك السمنة؛ فهي موجودة في أنحاء العالم، إلا أن نسب زيادة الوزن والسمنة تتفاوت بصورة واضحة بين الدول والأقاليم.
وينطبق الأمر على ارتفاع ضغط الدم. فهو من أكثر الأمراض المزمنة انتشارًا عالميًا، لكن عبء المرض يختلف بين المناطق، ويتأثر بعوامل متعددة، منها العمر ونمط الحياة والغذاء والوزن والحالة الاجتماعية والاقتصادية وإمكانية الوصول إلى الرعاية الصحية.
وهكذا فإن وجود المرض عالميًا لا يعني أن خريطة المرض واحدة.
القلب والدم والوراثة… لكل مجتمع بصمته
أمراض القلب أيضًا لا تتوزع بالطريقة نفسها في العالم. فقد كان عبء أمراض القلب التاجية مرتفعًا تاريخيًا في كثير من الدول الصناعية والغنية، ثم انخفضت معدلات الوفيات في عدد من هذه الدول مع تحسن الوقاية والعلاج، بينما أصبح عبء أمراض القلب كبيرًا أيضًا في كثير من الدول منخفضة ومتوسطة الدخل مع تغير أنماط الحياة وزيادة عوامل الخطورة.
وهناك أمراض أخرى تكشف بصورة أوضح تأثير الجينات وتاريخ المجتمعات، مثل فقر الدم المنجلي والثلاسيميا؛ إذ ترتفع بعض الاضطرابات الوراثية في مجموعات سكانية ومناطق معينة أكثر من غيرها.
وهذا يذكرنا بأن خريطة المرض لا ترسمها البيئة وحدها، وإنما تشترك فيها الوراثة والتاريخ السكاني، إلى جانب نمط الحياة والظروف المحيطة بالإنسان.
الملاريا… عندما ترسم الجغرافيا خريطة المرض
وعندما ننتقل من الأمراض المزمنة إلى الأمراض المعدية، تظهر لنا صورة مختلفة تمامًا.
خذ الملاريا مثالًا. فالمرض لا ينتشر بالتساوي في العالم، وإنما يتركز بصورة كبيرة في المناطق المدارية وشبه المدارية، وتتركز النسبة الأكبر من عبئه في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
وهنا تبدو العلاقة بين المرض والمكان أكثر وضوحًا؛ فالمناخ والبيئة ووجود الناقل ووسائل الوقاية والرعاية الصحية كلها عوامل يمكن أن تجعل مرضًا شائعًا في منطقة، وأقل حضورًا بكثير في منطقة أخرى.
وهذا يقودنا إلى حقيقة مهمة: الجغرافيا ليست مجرد حدود على الخريطة، بل قد تكون جزءًا من خريطة المرض نفسها.
ما الذي يرسم خريطة المرض؟
إذا تأملنا هذه الصورة كاملة، سنجد أن اختلاف الأمراض بين المجتمعات لا يرجع إلى سبب واحد.
فهناك الجينات والتاريخ العائلي، والغذاء، والنشاط البدني، والوزن، والعمر، ونمط الحياة، والبيئة والمناخ، والظروف الاجتماعية والاقتصادية، والثقافة، ومستوى الوعي، وتوفر الخدمات الصحية والوقائية والعلاجية.
كما أن خريطة الأمراض تتغير مع الزمن. فما كان شائعًا في مجتمع قبل عقود قد يتراجع، بينما تظهر أمراض أو عوامل خطورة أخرى مع تغير الحياة والبيئة والغذاء والسلوك.
إذن، عندما ننظر إلى خريطة العالم الصحية، لا ينبغي أن نسأل فقط: أين يوجد المرض؟ بل نسأل أيضًا: لماذا يوجد هنا أكثر من هناك؟ ولماذا يظهر في عمر مختلف؟ ولماذا تكون شدته مختلفة من مجتمع إلى آخر؟
فالمرض لا يعرف الحدود السياسية، لكنه لا يتوزع بالتساوي على الخريطة.
ومن هنا يمكن أن نفهم أن خريطة المرض في العالم هي في الحقيقة خريطة تتداخل فيها الجينات، والغذاء، والبيئة، والمناخ، ونمط الحياة، والعمر، والثقافة، والظروف الاجتماعية، والرعاية الصحية.
وفي المقالات القادمة سنحاول الاقتراب أكثر من هذه الخريطة: لماذا تختلف الأمراض من بلد إلى آخر؟ ولماذا تتركز بعض الأمراض في مناطق دون أخرى؟ وكيف تختلف خريطة السرطان والأمراض الوراثية من مجتمع إلى آخر؟



